الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
- إلى - عَذابٌ أَلِيمٌ [ المائدة : 94 ] نزلت عام الحديبية فلعلّ ذلك الباعث للذين قالوا : إنّ سورة العقود نزلت عام الحديبية . وليس وجود تلك الآية في هذه السورة بمقتض أن يكون ابتداء نزول السورة سابقا على نزول الآية إذ قد تلحق الآية بسورة نزلت متأخّرة عنها . وفي « الإتقان » : إنّها نزلت قبل سورة النساء ، ولكن صحّ أنّ آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] نزلت يوم عرفة في عام حجّة الوداع . ولذلك اختلفوا في أنّ هذه السورة نزلت متتابعة أو متفرّقة ، ولا ينبغي التردّد في أنّها نزلت منجّمة . وقد روي عن عبد اللّه بن عمرو وعائشة أنّها آخر سورة نزلت ، وقد قيل : إنّها نزلت بعد النساء ، وما نزل بعدها إلّا سورة براءة ، بناء على أنّ براءة آخر سورة نزلت ، وهو قول البراء بن عازب في « صحيح البخاري » . وفي « مسند أحمد » عن عبد اللّه بن عمرو ، وأسماء بنت يزيد : أنّها نزلت ورسول اللّه في سفر ، وهو على ناقته العضباء ، وأنّها نزلت عليه كلّها . قال الربيع بن أنس : نزلت سورة المائدة في مسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى حجّة الوداع . وفي « شعب الإيمان » ، عن أسماء بنت يزيد : أنّها نزلت بمنى . وعن محمد بن كعب : أنّها نزلت في حجّة الوداع بين مكة والمدينة . وعن أبي هريرة : نزلت مرجع رسول اللّه من حجّة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة . وضعّف هذا الحديث . وقد قيل : إنّ قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ المائدة : 2 ] أنزل يوم فتح مكة . ومن الناس من روى عن عمر بن الخطاب : أنّ سورة المائدة نزلت بالمدينة في يوم اثنين . وهنالك روايات كثيرة أنّها نزلت عام حجّة الوداع ؛ فيكون ابتداء نزولها بالمدينة قبل الخروج إلى حجّة الوداع . وقد روي عن مجاهد : أنّه قال : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ - إلى - غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة : 3 ] نزل يوم فتح مكة . ومثله عن الضحّاك ، فيقتضي قولهما أن تكون هذه السورة نزلت في فتح مكة وما بعده . وعن محمد بن كعب القرظيّ : أن أوّل ما نزل من هذه السورة قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ - إلى قوله - صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ المائدة : 15 ، 16 ] ثم نزلت بقيّة السورة في عرفة في حجّة الوداع . ويظهر عندي أنّ هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء ، وفي ذلك ما يدلّ على أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد استقام له أمر العرب وأمر المنافقين ولم يبق في عناد الإسلام